الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
33
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى * . . . البيت . وقيل به في قوله تعالى : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ [ سورة الصافات : 103 ، 104 ] الآية وفي جميع ذلك نظر . والضمير في قوله : إِلَيْهِ عائد إلى يوسف - عليه السّلام - في قول أكثر المفسّرين مقتصرين عليه . وذكر ابن عطية أنّه قيل الضمير عائد إلى يعقوب - عليه السّلام - . وجملة لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا بيان لجملة أَوْحَيْنا . وأكّدت باللّام ونون التوكيد لتحقيق مضمونها سواء كان المراد منها الإخبار عن المستقبل أو الأمر في الحال . فعلى الأوّل فهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاما ألقاه اللّه في نفس يوسف - عليه السّلام - حين كيدهم له ، ويحتمل أنّه وحي بواسطة الملك فيكون إرهاصا ليوسف - عليه السّلام - قبل النّبوءة رحمة من اللّه ليزيل عنه كربه ، فأعلمه بما يدل على أن اللّه سيخلصه من هذه المصيبة وتكون له العاقبة على الذين كادوا له ، وإيذان بأنّه سيؤانسه في وحشة الجب بالوحي والبشارة ، وبأنه سينبىء في المستقبل إخوته بما فعلوه معه كما تؤذن به نون التوكيد إذا اقترنت بالجملة الخبرية ، وذلك يستلزم نجاته وتمكّنه من إخوته لأن الإنباء بذلك لا يكون إلا في حال تمكّن منهم وأمن من شرهم . ومعنى بِأَمْرِهِمْ : بفعلهم العظيم في الإساءة . وجملة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ في موضع الحال ، أي لتخبرنهم بما فعلوا بك وهم لا يشعرون أنك أخوهم بل في حالة يحسبونه مطلعا على المغيبات متكهنا بها ، وذلك إخبار بما وقع بعد سنين مما حكي في هذه السورة بقوله تعالى : قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ [ سورة يوسف : 89 ] الآيتين . وعلى احتمال عود ضمير إِلَيْهِ على يعقوب - عليه السّلام - فالوحي هو إلقاء اللّه إليه ذلك بواسطة الملك ، والواو أظهر في العطف حينئذ فهو معطوف على جملة فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ إلى آخرها وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ قبل ذلك . و لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أمر ، أي أوحينا إليه نبّئهم بأمرهم هذا ، أي أشعرهم بما كادوا ليوسف - عليه السّلام - ، إشعارا بالتعريض ، وذلك في قوله : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ [ سورة يوسف : 13 ] . وجملة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ على هذا التقدير حال من ضمير جمع الغائبين ، أي وهم لا يشعرون أننا أوحينا إليه بذلك .